دوران

تقيأني الباب في الشارع، دوران في أحشائي و آخر في رأسي، لا فلس في جيبي، أجيابي خالية إلا من بقايا قلم رصاص و قطع سكر، يدي اليسرى قابضة بكل شدة على شهادة الماجستير وضعتها في ظرف أبيض اللون أكفنها به ، يدي اليمنى تحمل ديوان “أغاني الحياة” للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي شاعر إرادة الحياة.

قدمى تنزلق على الأرض بدون توازن نسيت الشوارع  ولم أعد أستطيع قراءة عناوينها. أطلقت العنان إلى قدمى تمشى حيث شاءت، لا خوف على من الضياع، صرت أحب ما كنت أخشاه. أمواج من الناس تعترض طريقي والوجوه الغادية الرائحة، الملونة بألف لون ولون ترسم ملامحه. تلتقط أذناي حكاية قريبة عن وجع طويل ترويها إمرأة لأخرى وأخرى تأتيني من بعيد في شكل قهقهات فارغة عارية من الحقيقة.
أشعر بغربة تفصلني عن الناس. أحدق في وجوههم لعلى أرى فيها غربتي. غريب ! لم يكترثوا بي رغم أني مررت أمامهم أكثر من مرة.

إنتهت قدمي إلى الحافلة وجدت نفسي وسط الإكتظاظ .الوجوه تتنفس أنفاس بعضها كشفاه متحابة غير أنها هنا مكرهة مصابة بالقرف والأرجل تدعك دعكا، الأيادي مشدودة إلى القضبان والأجسام تتموج مع تموجات الحافلة.
تصورت أن الأرض تحولت إلى بحر وأن الحافلة تحولت إلى سفينة وأني سأعبر حدود المحسوسات و أنتقل إلى المطلق أشعر أن المكان يتغير لكن اللف والدوران يشتدان بي غربتي تزداد رغم أن جسمى يحتك بأجسام الآخرين .

دخلت البيت، أدباشي مكدسة وأشيائي مبعثرة، أشيائي التي ملّتها عيني وصد عنها قلبي. تتراقص الجدران أمامي، يطوى السقف و ينزل على جمجمتي، أضع رأسي على الطاولة و أغمض عيني لعلني أتخلص من هذا الدوران لعل الخيال يأخذني إلى المطلق الذي لا يحتوي معجمه على تلك الكلمة الحقيرة “بطالة” ، ذلك المطلق الذي يضم حبيبتي التي تصدني عن الوصول إليها حواجز المادة.

غفوة من النوم اخذتني وانفتحت النافذة فجأة فانتفضت فإذا الشمس كالحريق و إذا الناس كل في طريق.
إنه يوم جديد و الدوران في أحشائي عاد ليزيد.

أمان الله ميساوي
نشر في مدونة بوندي التونسية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *